السيد محمد حسين فضل الله
44
من وحي القرآن
الحميم الآمن المطمئن ، فقد كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لأن الخلق لم ينطلق من شعور ، بل من موقع الحكمة التي تحرك الوجود في اتجاه غاية عظيمة تفيض بالرحمة على الأشياء لتصل بها إلى غايتها ، ولذلك كانت الرحمة في حركة الوجود ، وفي حيويّة الحياة ، وما فيها من نعم وألطاف ، وكانت أيضا في تنظيم حياة الإنسان على أساس المسؤولية ليحميه من نفسه ويحمي غيره منه . . وبذلك كان البعث للحساب لونا من ألوان الرحمة التي لا تعني العاطفة ، بل تعني مصلحة الإنسان في وجوده وذلك لجزاء المحسن على إحسانه ، والمسئ على إساءته ، ولذلك أتبع الرحمة التي كتبها على نفسه بقوله : لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ فذلك يحقق للوجود غايته في مواجهة نتائج العمل في الدنيا ، وهو الذي يحقق للإيمان قوّته . عندما يتحول إلى حركة مستقيمة تربط النتائج بمقدماتها ، وتشير إلى النهاية من خلال انطلاقة البداية . وهناك يقف الناس جميعا يوم القيامة بين يدي اللَّه ، ليواجهوا حساب المسؤولية بدقة ، وليأملوا الحصول على رحمته الواسعة ، إلا فريقا من هؤلاء الذي لا يتعلّقون برحمته بشيء ، وهم الذين لا يؤمنون به ولا يعترفون بتوحيده ، فهؤلاء الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وأيّ خسارة أعظم من خسارة الإنسان نفسه ، وذلك بخسرانه الأساس الوحيد لخلاصه وهو رحمة ربّه المرتبطة بخط الإيمان في الحياة ؟ ! وهكذا يربط القرآن بين عدم الإيمان باللَّه وبين خسارة الإنسان نفسه . . وقد يفهم الإنسان منها أن القضية لا تعيش في النطاق الأخروي فقط ، بل تمتد إلى النطاق الدنيويّ لما يفرضه ذلك من ظلمة في التصوّر والرؤية والعمل ، في مقابل ما يحصل عليه المؤمن من إشراق الروح في ذلك كله .